لعب العيال والكبار
منذ 25 يناير وحتى الآن و انا يتملكني الغيظ كل يوم مما اسمعه من السياسيين والمحللين والصحفيين وأجهزة الإعلام , بل والأكثر من شباب الثورة أنفسهم الذين اثبتوا أنهم يمتلكون شجاعة فائقة وإصرارا يثير الإعجاب مع جهل شديد بأبسط مبادئ السياسة بل والثقافة وهو ما يجعلهم صيدا سهلا ينقاد بلا وعى لتجار الكلام و الشعارات البراقة و المغالطات المنطقية .
كما إنني اشعر بالغيظ أيضا مع كامل احترامي وتقديري من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يصر في جميع بياناته على أنه يقف على الحياد من جميع التيارات السياسية رغم أننا لسنا في ندوة أو حفل استقبال ودي بل في بلد يوشك على الانهيار و إن من واجبهم الوطني و العسكري أن يقوموا بتقدير الموقف واتخاذ التدابير اللازمة تجاه أي تيار يمكن أن يشكل خطرا على وحدة الدولة وسلامتها في الداخل و الخارج.
إن الديمقراطية ليست هدفا في حد ذاتها بل وسيلة لتحقيق تقدم المجتمع واستقراره ,وهى ليست خيرا دائما كما أنها ليست وصفة سحرية صالحة للتطبيق في جميع الظروف,بل إن الديمقراطية كانت تعد كلمة بذيئة في أوروبا قبل الثورة الصناعية لأنها كانت تعنى حكم الرعاع والسوقة.
وكذلك الدكتاتورية والحكم العسكري ليست شرا مطلقا ولكنها ضرورة أيضا في بعض الظروف,إن جميع النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليست نصوصا مقدسة ولكن اجتهادات بشرية تصلح للتطبيق فقط في ظل ظروف معينة تستدعى وجودها لصالح المجتمع.
الأزمة و الحل
لقد طالعنا هؤلاء الجهابذة من الشيوخ والشباب بمجموعة من المطالب و المقولات تتلخص في الآتي
-لا لحكم العسكر
هؤلاء العسكر هم ضباط القوات المسلحة, صحيح أن الكثير منهم من متوسطي الذكاء بل و ذوى العقول الجامدة أحيانا ولكنهم لا يحصلون أبدا على شهادة أركان الحرب ولا يخدمون في رتبة العميد أو اللواء بل يحالون إلى التقاعد .
أما من يخدمون في هاتين الرتبتين فبينهم أعداد كبيرة جدا من حملة الماجستير والدكتوراه في العلوم الإستراتيجية والسياسية والإدارية والاقتصاد وكذلك الهندسة والطب والعلوم بكل تخصصاتها . بالإضافة إلى خبراتهم الطويلة في عمليات الإدارة والتخطيط المعقدة داخل القوات المسلحة .
كما أن أجهزة المخابرات تضم صفوة من الضباط يعاونهم صفوة من أوائل الخريجين في مختلف الكليات الجامعية ويستعينون دائما بأفضل الخبراء من القطاعات المدنية.
فإذا كان هؤلاء جميعا لايفهمون في السياسة و إدارة شئون الدولة والحكم , فمن الذي يفهم ؟ انتم ؟
-تسليم السلطة إلى مجلس رئاسي مدني و حكومة وحدة وطنية
فكرة عبقرية للدخول في حرب أهلية, سوف يكون هناك بعض الاتفاق بينهم لفترة قصيرة جدا ثم يبدأ الخلاف في الرأي و الخلافات الفكرية والمذهبية ومحاولات فرض الرأي والصراع على النفوذ ثم يستعين كل منهم بأعوانه في الشارع وربما في الشرطة أو الجيش والاحتكام للسلاح ثم الحرب الأهلية .
-التعجيل بالانتخابات النيابية والرئاسية
و هل تظنون أيها السادة أن رئيس الجمهورية يصبح رئيسا فعلا لمجرد أن الشعب قد انتخبه, و أن الحكومة تصبح حكومة لأنها جاءت من أغلبية برلمانية منتخبة ؟
إن الرئيس والحكومة والبرلمان و الدستور و القانون و أحكام القضاء كلها ليست لها أية قيمة دون وجود أدوات الحكم و هي الشرطة و أجهزة الدولة الإدارية ممثلة في الوزارات والهيئات المختلفة و الأجهزة الرقابية والمخابرات والجيش .
فإذا كانت كل هذه الأدوات ماعدا المخابرات و الجيش في حالة من الفساد و الفوضى وانعدام الكفاءة , لا يمكن للرئيس أو الحكومة انجاز اى عمل إلا بعد تطهير هذه الأدوات و إعادة تنظيمها. ولن يستطيع اى رئيس أو وزير مدني تحقيق ذلك مهما كانت خبرته الإدارية أو كفاءته العلمية .
إن هذه العملية تشبه تماما عمليات السيطرة الإدارية على المدن بعد إتمام احتلالها عسكريا والتي يدرسها ضباط الجيش و المخابرات, وهى عملية تحتاج إلى خطط تكتيكية تشترك فيها مجموعة من الأجهزة في وقت واحد .
والنتيجة أن الحكومة المدنية سوف تعجز بالتأكيد عن تحقيق اى انجاز مما يثير سخط الشعب, وتعود ثانية التظاهرات والإضرابات والثورات الشعبية , وتتغير الحكومات دون نتيجة حتى تنهار الدولة .
الحل الوحيد الآمن
وهو أن بترك المجلس الأعلى للقوات المسلحة دور المتفرج على الصراع بين القوى السياسية و يتحمل مسئوليته الوطنية في الحفاظ على امن البلاد و استقرارها حتى لو اقتضى الأمر استعمال القوة العسكرية , ويجب عليه اتخاذ مجموعة من الإجراءات هي
1تأجيل الانتخابات النيابية و الرئاسية لمدة عام كامل كمرحلة انتقالية.
2-إعلان نهاية الثورة , و علي جميع الناشطين السياسيين و الأحزاب ممارسة العمل السياسي من خلال القنوات المشروعة فقط مع الالتزام الكامل بالقانون .
3-تشكيل حكومة عسكرية من كبار الضباط المتخصصين في المجالات المختلفة من غير أعضاء المجلس العسكري , وتكون مهمة الحكومة كما يلى
1-إعادة الأمن والنظام إلى جميع إنحاء البلاد .
2-تطهير جميع أجهزة الدولة و إعادة تنظيمها و أولها وزارة الداخلية .
3-تنفيذ خطة تقشف صارمة في الإنفاق الحكومي داخليا و خارجيا مع عدم المساس بالدعم و الخدمات المقدمة للفئات الفقيرة و المتوسطة
4-إيجاد الحلول العاجلة للمشاكل العاجلة .
5-التركيز في السياسة الخارجية على القضايا الدولية و الإقليمية المفيدة للشأن الداخلي فقط مع عدم الدخول في اى صراعات.
تحذير أخير
الفرق بين الحماقة و الخلل العقلي
عندما يخبرالاطباء احد الأشخاص إن شرب صبغة اليود يؤدى إلى الموت فورا ومع ذلك لا يصدقهم ويصر على أن يجرب بنفسه, فتلك هي الحماقة.
أما عندما يرى أمام عينيه عشرة أشخاص ينتحر ون و يموتون بتناول صبغة اليود, ومع ذلك يصر على أن يجربها, فهو بالتأكيد مختل عقليا.
ولقد رأينا ما حدث للذين تناولوا صبغة يود الإسلام السياسي , في أفغانستان و باكستان و إيران و لبنان و غزة و الجزائر والسودان و الصومال بل و السعودية نفسها, فلولا أن السعودية و إيران تمتلكان ثروة نفطية هائلة لانهارتا منذ زمن طويل بسبب نظام الحكم الديني.
فهل نشرب في مصر صبغة يود الإسلام السياسي ؟
الإجابة توجد فقط عند القوات المسلحة المصرية وليس في صناديق الانتخاب أو ميدان التحرير .
عمر كامل نجم
عضو اتحاد الكتاب
26-11-2011